الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

284

مختصر الامثل

سبب النّزول في تفسير مجمع البيان عن ابن عباس قال : يعنى بقوله « مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ » عبد اللَّه بن سلام ، أودعه رجل 1200 أوقية « 1 » من ذهب ، فأدّاه إليه ، فمدحه اللَّه سبحانه . ويعنى بقوله « مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّايُؤَدّهِ إِلَيْكَ » فنحاص بن عازوراء وذلك أنّ رجلًا من قريش استودعه ديناراً ، فخانه . واللَّه يذمّه في هذه الآية لخيانته الأمانة . التّفسير ترسم الآية ملامح أخرى لأهل الكتاب ، كان جمع من اليهود يعتقدون أنّهم لا يكونون مسؤولين عن حفظ أمانات الناس ، بل لهم الحق في تملّك أماناتهم ! كانوا يقولون : إنّنا أهل الكتاب ، وأنّ النبي والكتاب السماوي نزلا بين ظهرانينا ، لذلك فأموال الآخرين غير محترمة عندنا . لقد تغلغلت فيهم هذه الفكرة بحيث غدت عقيدة دينية راسخة ، وهذا ما يعبّر عنه القرآن بقوله « يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ » قال اليهود : إنّ لنا حق التصرف بأموال العرب واغتصابها لأنّهم مشركون ولا يتّبعون دين موسى . من الجدير بالذكر أنّ هذه الآية تعلن أنّ أهل الكتاب لم يكونوا جميعاً ينهجون هذا الطراز من التفكير غير الإنساني ، بل كان فيهم جماعة ترى أنّ من واجبها أن تؤدي حق الآخرين . ولذلك فإنّ القرآن لم يدنهم جميعاً ولم يلق تبعة أخطاء بعضهم على الجميع ولذلك يقول : « وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّايُؤَدّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا » . إنّ الحوادث التي جرت في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك أنّ القرارات الدولية والرأي العام العالمي ، وقضايا الحق والعدالة وأمثالها ، لا قيمة لها في نظر الصهاينة ولا معنى ، وما من شيء يحملهم على الخضوع للحق سوى القوة ، وهذه من المسائل التي تنبّأ بها القرآن . « ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الْأُمّيّينَ سَبِيلٌ » . هذه الآية تبين منطقهم في أكل أموال الناس ، وهو قولهم بأنّ « لأهل الكتاب » أفضلية على « الأميين » أي على المشركين والعرب الذين كانوا أميين غالباً أو أنّ المقصود كل من ليس له نصيب من قراءة التوراة والإنجيل ، لذلك يحق لهم أن يستولوا على أموال الآخرين ، وليس لأحد الحق أن يؤاخذهم على ذلك ، حتى أنّهم ينسبون إلى اللَّه تقرير التفوق الكاذب .

--> ( 1 ) « الأوقية » : تساوي 1 / 12 من الرطل ويساوي 7 مثاقيل ، جمعها : أواق .